بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ
أيها الأفاضل :

أحبتي في الله : إن الحياة الدنيا دار ابتلاء و امتحان ، و السعيد هو من يسلم أمره لله بعد الأخذ بالأسباب ، فلا جزع بل رضى و تسليم ، و قد يبتلى المرء بصنوف شتى من البلاء ، كالفقر و فقد الأحبة و المرض .. فكيف يواجه المؤمن الأمر ؟؟

حكم المرض وفوائده :

1 ـ استخراج عبودية الضراّء وهي الصّبر :
إذا كان المرء مؤمناً حقاً فإن كل أمره خير ، كما قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ : (( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير ، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراّء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراّء صبر فكان خيراً له )) رواه مسلم (2999 ) .

2 ـ تكفير الذنوب والسيئات :
مرضك أيها المريض سبب في تكفير خطاياك التي اقترفتها بقلبك وسمعك وبصرك ولسانك ، وسائر جوارحك .

- فإن المرض قد يكون عقوبة على ذنب وقع من العبد ، كما قال تعالى : (( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير )) .
يقول المعصوم – صلى الله عليه وسلم - : (( ما يصيب المؤمن من وَصب ، ولا نصب ، ولا سقَم ، ولا حزن حتى الهمّ يهمّه ، إلا كفر الله به من سيئاته )) البخاري (5641) .

3 ـ كتابة الحسنات ورفع الدرجات :
قد يكون للعبد منزلة عظيمة عند الله سبحانه وتعالى ، لكن العبد لم يكن له من العمل ما يبلغه إياها ، فيبتليه الله بالمرض وبما يكره ، حتى يكون أهلاً لتلك المـنزلة ويصل إليها ، قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ : (( إن العبد إذا سبقت له من الله منـزلة لم يبلغها بعمله ، ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده ، ثم صبّره على ذلك ، حتى يبلغه المنـزلة التي سبقت له من الله تعالى )) صحيح أبي داود للألباني ( 2/597 ).

4 ـ سبب في دخول الجنة :
قال – صلى الله عليه وسلم - : (( يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب ، لو أن جلودهم كانت قرِّضت بالمقاريض )) صحيح الترمذي للألباني 2/287 .

5 ـ النجاة من النار :
عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – عاد مريضاً ومعه أبو هريرة ، فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : (( أبشر فإن الله عز وجل يقول : هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن في الدنيا لتكون حظه من النار في الآخرة )) السلسلة الصحيحة للألباني 557 .

6 ـ ردّ العبد إلى ربه وتذكيره بمعصيته وإيقاظه من غفلته :
من فوائد المرض أنه يرد العبد الشارد عن ربه إليه ، ويذكره بمولاه بعد أن كان غافلاً عنه ، ويكفه عن معصيته بعد أن كان منهمكاً فيها .

7 ـ البلاء يشتد بالمؤمنين بحسب إيمانهم :
قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ : (( إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فله السخط )) حسنه الألباني في صحيح الترمذي 2/286 .

8- بشرى للمريض :
ما كان يعمله المريض من الطاعات ومنعه المرض من فعله فهو مكتوب له ، ويجري له أجره طالما أن المرض يمنعه منه .
قال – صلى الله عليه وسلم ـ : (( إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً )) رواه البخاري 2996 .

* * الواجب على المريض :

- الواجب على المريض تجاه ما أصابه من مرض هو أن يصبر على هذا البلاء ، فإن ذلك عبودية الضراء .
- والصبر يتحقق بثلاثة أمور :
1 ـ حبس النفس عن الجزع والسخط
2 ـ وحبس اللسان عن الشكوى للخلق .
3 ـ وحبس الجوارح عن فعل ما ينافي الصبر .( عدة الصابرين لابن القيم ص 13 ) .

* أسباب الصبر على المرض :

1 ـ العلم بأن المرض مقدر لك من عند الله ، لم يجر عليك من غير قبل الله :
قال تعالى : (( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون )) ، وقال تعالى : (( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها )) ، و قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ : (( كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة )) مسلم 2653.

2 ـ أن تتيقن أن الله أرحم بك من نفسك ومن الناس أجمعين :
عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال : قدم على النبي – صلى الله عليه وسلم – سبيٌ ، فإذا امرأة من السبي وجدت صبياً فأخذته ، فألصقته ببطنها وأرضعته ، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : (( أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟ قلنا : لا وهي تقدر أن لا تطرحه ، فقال : لله أرحم بعباده من هذه بولدها )) البخاري 5999 .

3 ـ أن تعلم أن الله اختار لك المرض ، ورضيه لك والله أعلم بمصحتك من نفسك :
إن الله هو الحكيم يضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها ، فما أصابك هو عين الحكمة كما أنه عين الرحمة .

4 ـ أن تعلم أن الله أراد بك خيراً في هذا المرض :
قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ : (( من يرد الله به خيراً يصب منه )) البخاري 5645 أي يبتليه بالمصائب ليثيبه عليها .

5 ـ تذكر بأن الابتلاء بالمرض وغيره علامة على محبة الله للعبد :
قال – صلى الله عليه وسلم - : (( إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم )) صحيح الترمذي للألباني 2/286 .

6 ـ أن يعلم المريض بأن هذه الدار فانية ، وأن هناك داراً أعظم منها وأجل قدراً :
فالجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، قال – صلى الله عليه وسلم - : (( يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة ، فيصبغ في النار صبغة ، ثم يقال : يا ابن آدم : هل رأيت خيراً قط ؟ هل مرّ بك نعيم قط ؟ فيقول : لا والله يا رب . ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة ، فيصبغ في الجنة صبغة ، فيقال له : يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط ؟ هل مرّ بك شدة قط ؟ فيقول : لا والله يا رب ما مرّ بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط )) مسلم 2807 . الصبغة أي يغمس غمسة

7 ـ التسلي والتأسي بالنظر إلى من هو أشد منك بلاء وأعظم منك مرضاً :
قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ : (( انظروا إلى من هو أسفل منكم ، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم ، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم )) مسلم 2963 .

رحم الله كاتب المقال و ناقله و ناشره و قارئه ، وأسأله سبحانه أن يشفينا و يشفي مرضانا ومرضى المسلمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .