د. عائض القرني

هذا المعنى معلوم في الكتاب والسنة، يقول تعالى: «وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ»؛ ففي الآية إعطاء المخالف مهلة وفرصة لسماع الحجة والتفكر في البرهان. وقال تعالى: «وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ». بل إن الدين كله مبني على التعارف والتواصل لا على التضاد والتصادم، حتى إن الآية: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا» قال فيها بعض العلماء: «ليدور بينكم المعروف ويوصل المعروف من بعضكم إلى بعض».

ومن هذا المعروف اللين والرفق والسماحة، وهذا ما جاء به الإسلام، فمن رحمة الله عز وجل أنه أقام الحجة على الخليقة بإرسال الرسل وإنزال الكتب كما قال تعالى: «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً»، وقال تعالى: «لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ»، فمن سماحة الشريعة أنها تدعو من خالفها إلى الحوار وسماع الحجة وطلب الإنصاف.

ولهذا جعل الله مرد الناس في الاختلاف إلى البرهان الصحيح، قال تعالى: «قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ»، وجعل العلم النافع الصحيح الثابت مرجعاً عند الخلاف، قال تعالى: «قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا»، ولهذا تجد في نصوص الشريعة الدعوة بالحسنى والرفق بكل أمم الأرض والطلب من البشرية التفكر والتدبر والنظر بالأدلة الكونية والشرعية، ونفي مبدأ القهر والإكراه عن الشريعة، كما قا تعالى: «لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ» وقال تعالى: «لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ»، وقال تعالى: «أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ»، فإذا فهم المسلم طبيعة الشريعة وقانونها الذي لا يتغير دعا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وكان رحمة على الناس؛ لأن من يدخل في الدين مكرهاً تحت التهديد والوعيد والتعذيب لا ينتفع به ولا يقتنع هو بالإيمان، وسوف يرتد إذا وجد طريقاً إلى ذلك، وليس هذا المقصود بالشرع.

ولهذا ترك أهل الكتاب في بلاد المسلمين على دينهم المحرف وصار لهم الأمان بشرط الوفاء بما عاهدوا عليه الدولة الإسلامية، ولم يطلب من المسلمين إكراههم وإذلالهم حتى يدخلوا في دين الإسلام؛ لأنه لا فائدة في اغتصاب عقول الناس والسيطرة على أفكارهم بالسيف والسوط؛ فإن نتائج هذا العمل التذمر والانفلات والمحاربة والعداوة عند أول فرصة.

بل إنك تجد في نصوص الوحي من الرحابة وإطلاق العنان للتفكير والتأمل والتدبر وقراءة الحجة ودراسة البرهان والبحث في الدليل ما يبهر العقل، ومن ذلك أن الله أمر عباده أن ينظروا في الكون نظر اعتبار، وأن يطالعوا آيات القرآن مطالعة تدبر، فعندنا كتابان إلهيان ربانيان هما: كتاب الكون المفتوح وكتاب الوحي المشروح، فآيات كتاب الكون خطت بكاف القدرة فيها أسطر الوحدانية وأحرف الصمدانية تشهد أن لا إله إلا الله وآيات كتاب الوحي كلماته آيات بينات نزل بها جبريل من رب العالمين على النبي الأمين بلسان عربي مبين.

والمقصود من هذا أن الشريعة أتت بالرفق في الخطاب مع المخالف سواء خالف في الدين جملة أو في بعض مسائله؛ فإن في الشريعة آداب التعامل مع العاصي والباغي والمحارب وأهل الكتاب والمبتدع والوثني، وكل هذا مشروح مفصل في الكتاب والسنة، فإذا طالعت هذه الأدلة في الشريعة تيقنت أن هذه الشريعة أتت لآلاف الأعوام وعلى مر الزمان وتغير الأحوال ولم تأتِ لجيل أو أمة أو قرن من القرون وإنما جاءت للناس لكافة وخاطبت الجميع وقصدت البشرية فضلاً من الله ورحمة. ولهذا نفي عن الشريعة التحيز لصنف أو جنس أو قبيلة أو عشيرة أو أسرة أو فرد إلا بسبب شرعي مرده تقوى الله، كما قال تعالى: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ»، بل نفي التمييز العنصري في الشريعة والتفضيل بالألوان والأعراق والأجناس كما في الحديث: «لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى»، فترى أن الشريعة أتت بتفضيل المؤمن والمسلم والمهاجر والمجاهد والمنفق والعالم الرباني والخير عموماً ولا تأتي بتفضيل العربي أو السيد أو الحاكم أو الغني أو الأبيض، بل فضلت ما أمر الله بتفضيله لسبب شرعي مقصود وهو طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وامتثال الكتاب والسنة.