الانترنت وآثارها السلبية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،
فكما أن استخدام التقنيات الحديثة كان له بالغ الأثر في دفع مسيرة العمل الإسلامي خطوات واسعة إلى الأمام، فإن من النصيحة أن ننبه إلى المخاطر العديدة التي تتهدد هذه المسيرة بأن تدفع بها خطوات واسعة أيضًا إلى الخلف أو إلى جهة أخرى مهلكة (وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر)
ذلك أن استخدام هذه الوسائل ليس قاصرًا على العلماء وطلبة العلم الذين يضبطون اتجاه المسيرة ويميزون بين الخير والشر وينظرون إلى كل الأمور من خلال مقاييس الشرع، بل إنه يتعدى إلى جمهور عريض من محبي الخير وحسني النوايا ولكن مع قلة علم وضبط شرعي وكم من مريد للخير لا يدركه، والأخطر من ذلك أن ينضم إلى هذه القافلة من المستخدمين صنف خبيث النوايا والإرادات والعمل كذلك يهدم ما يبنيه غيره بطيش وخفية.
ونحن هنا نرصد بعض الظواهر السلبية التي برزت كنتيجة لذلك الأمر.
فمن هذه الآثار والظواهر:
عزوف قطاع من الشباب الملتزم عن حضور دروس العلم والجثو بالركب بين أيدي العلماء اعتمادًا على توفر وسائل الاستماع والمطالعة المريحة التي لا تحتاج إلى مجاهدة وصبر مما يؤثر على الجانب التربوي عند هذا الصنف حتى وإن حصل الكثير من المسائل سواء من الأشرطة والمواد المسجلة أو البرامج الإسلامية، ناهيك عما يحدث بعد ذلك من فتور في طلب العلم بسبب الابتعاد عن رفاق الخير من رواد تلك الدروس (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)، وبسبب الوقوع تحت تأثير وهم كبير مضاده (أن كل ما فاتك يمكنك تحصيله بأن تجلس مسترخيًا أمام الحاسب وبضغطة زر تلحق بالقافلة بل وقد تسبقهم إذا شئت... فلم الإرهاق والمكابدة إذن؟؟!!)
ومنها أن توفر هذه الوسائل بصورة واسعة على هذا النحو أتت في روع البعض أن بإمكانه أن يبارز العلماء وأن يساميهم مكانة، فهو يجلس في غرفته الضيقة وتحت يده آلاف المراجع يستطيع في دقائق أن يقوم بجمع بحث وترتيبه عن طريق القص واللصق، وما المانع أن ينشره على الإنترنت أو في كتاب أنيق مهذب يعلوه اسمه. والناظر إلى حال المعروض في المكتبات وعلى الأرصفة وعلى الإنترنت يصدمه هذا التضخم الغثائي الذي يقف وراءه نكرات لا يضيفون جديدًا.
اللهم إلا ما نراه من غثائية وفوضى، وهذه الجرأة على الكتابة والنشر أمر لم يكن من هدي سلفنا الصالح بل كانوا يتحرجون منه غاية التحرج فالله عز وجل يقول (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) (يّـس/12).
ومنها: أن حالة التعملق هذه أصبحت ظاهرة واضحة جدًا فيما يعرف بالمنتديات الإسلامية والمدونات، فلم يعد غريبًا أن يدخل إنسان باسم مستعار يتخفى خلفه مرتديًا قناع النصح للأمة، وتجده يهاجم العلماء والدعاة ويشنع عليهم بأنواع الفريات ويبحث عن عثراتهم فيضخمها ويأتي على إنجازاتهم بالهدم، فهذا مرجئ. وذاك خارجي والآخر عميل ناهيك عن كم الضلال والمبتدعة والهالكين والمحترفين إلى آخر هذا القاموس الذي يتمتع البعض باستخدامه، فضلاً عن دعاوى المباهلة التي صارت هواية محببة للبعض.
ومنها: أنها تتيح مساحة سانحة للرويبضات أن يتكلموا في كل شيء فتجد الواحد منهم يجعل نفسه عالمًا ومربيًا ومجاهدًا ومفتيًا بل وخبيرًا في الذرة إذا اقتضى الأمر. يشغب على هذا ويتهم هذا وبعد فترة تجد هذا الرويبضة وقد أصبح مشاغبًا محترفًا، قادرًا على تسعير الحرب وإثارة النزاعات والضغائن والفتن بين المسلمين لاسيما العلماء والدعاة. وهذا الأمر أفرز حالة من التحفز والتشاحن بين أبناء العمل الإسلامي يخشى منها أن تأتي على ثماره وأن تذهب بركته (وفساد ذات البين هى الحالقة)
ومنها: أنه على الرغم من اختصار الزمن والمسافات، وتقارب الاهتمامات والمشاكل التي تحياها الأمة، إلا أنه يبقى لكل بلد من بلاد الإسلامي ظروفه الخاصة والتي على أساسها تتحدد المواقف تجاه القضايا المختلفة، وهذا مالا يستوعبه البعض، فتراه يرسم أهدافًا وخططًا وبرامجًا للعاملين في بلاد بعيدة عنه، بل ويوجه ويقود ويصوب ويخطأ من موقعه خلف شاشة الحاسب، مفتئتًا على علماء هذه البلاد وأهل الحل والعقد فيها وهذا من شأنه أن يعمق مساحات الخلاف وأن يجعل العمل الإسلامي يترنح بين مسارات خيالية بعيدة تمامًا عن المسار الصحيح.
ومنها: أن كثرة المعلومات المعروضة على الإنترنت وتسارع تحديثها وتلاحق الأخبار والأحداث أفرزت حالة من الرعونة في التعامل مع المستجدات، فلا وقت للتدقيق أو التمحيص بل... (لابد من اتخاذ موقف سريع حاسم قبل أن تتفاقم الأمور)...، فتجد البعض يحارب طواحين الهواء وينقل معارك غيره إلى أرضه، ويساعد في ترويج الشائعات والأخبار الكاذبة، فتتضخم مشاكل تافهة وينشغل بها الناس مما يزيد العبء على الدعاة والعاملين، فلا تكاد تخرج من مشكلة حتى تصدمك أخرى، مما يفقد العاملين القدرة على التركيز في طريقهم الرئيسي ويشغلهم بمعارك جانبية تعرقل المسير.
ومنها: أن البعض يساهم دون أن يدري في نشر الشبهات وإثارة غبارها من خلال ارتياد المواقع والمنتديات وغرف المحادثة التي تعني بالمناظرات بين الإسلام والنصرانية أو حتى بين أهل السنة وغيرهم من المبتدعة، ولا شك أن بعض هذه المواقع فيه فوائد جمة ولكنها مطمورة في هذا الكم الرهيب من المواقع التي تتصف بضحالة المستوى العلمي للقائمين عليها والمشاركين فيها.
وكذلك ضعف القدرة على الحوار والإقناع وكنتيجة لذلك تكون المادة الرائجة هي السباب والشتائم والسخرية.
ومنها: أن هذه التقنيات وإن وفرت للأمة ساعات طوال من عمر أبنائها، فإنها في المقابل ضيعت مثلها وربما أكثر من أعمار شباب وقفوا حياتهم على ارتياد المنتديات وغرف المحادثة متخذين التواجد على الإنترنت هدفًا في حد ذاته متناسين أنه وسيلة من جملة وسائل عديدة في الدعوة إلى الله، ومنعزلين عن الواقع المعاش مستبدلين به واقعًا افتراضيًا عبر الأسلاك، وما يتبع ذلك من آثار تربوية ونفسية وسلوكية بالغة الخطورة، فمُدمن الإنترنت يعاني بعد فترة من شعور بحالة (اللاهدف) والتي تجعله عرضة لكل رياح الإفساد الخبيثة التي تتقاذف التائهين في كل الاتجاهات، وشاهد ذلك ما تراه من سلوكيات على بعض المنتسبين إلى الالتزام تشبه إلى حد كبير سلوكيات كانت تعد من صور السفور قبل ذلك، سواء على الهيئة أو في طريقة الحديث أو الاهتمامات أو حتى فيما يتعلق بمجالات استخدام الكمبيوتر والإنترنت.
وبعد، فهذه أضواء سريعة كاشفة على بعض الآثار السلبية الناتجة عن انتشار هذه الوسائل وسهولة استخدامها من قبل كافة الفِئات... ركزنا فيها على ما يتعلق تعلقًا مباشرًا بالعمل الإسلامي، وهناك أمور أخرى أعم تشمل أثر هذه التقنيات على مجتمعات المسلمين بصفة عامة ولهذا موضع آخر إن شاء الله.
أردنا من هذا الطرح الموجز في هذه المقالة وسابقتيها أن نبين أن الإنترنت ليست هى الجنة الموعودة كما يظن البعض وليست نارًا تلظى كما يظن الطرف الآخر، بل أردا أن نوضح أنها سلاح ذو حدين شأنها كشأن كثير من الوسائل المعاصرة، تحتاج إلى يد خبيرة تمسك بها وتتعامل معها.
وهذا هو دور العلماء الربانيين الذين يحسنون تقدير المصالح والمفاسد بعلم خير الخيرين وشر الشرين، والذين يدلون الأمة على خير ويحذرونها من مهاوي الردى وخطوات الشيطان (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) (لأنفال/42).
والحمد لله رب العالمين