التأريخ والتاريخ والتوريخ

التأريخ بالهمز، والتاريخ بتسهيل الهمز، والتوريخ، كلها كلمات ترادف بالعربية كلمة Histoire بالفرنسية وHistory بالإنكليزية.

وعرّفه صاحب "لسان العرب" بقوله: "التأريخ: تعريف الوقت". ولا يعرف بالضبط متى دخلت هذه الكلمة اللغة العربية، إذ إنها لم ترد في الشعر الجاهلي، أو في القرآن الكريم، أو في الحديث الشريف. ويبدو أنها استعملت لأول مرة في أخبار نشأة التقويم الهجري. ويرجح الباحثون المعاصرون أنها من أصل سامي، سرياني أو أكادي، أو من لغة عرب الجنوب، فكلمة ورخ، وأرخ، وأرخو، كلمات تعني عند عرب الجنوب، وفي السريانية، والأكادية: القمر، أو الشهر. ومن هنا، كان التأريخ هو "التوقيت بالقمر"، أو بتعبير آخر، بالشهر الذي يمثل دورة القمر، وبالليلة من الشهر، عن طريق تتبع هذه الدورة. ثم انتقل هذا المعنى للدلالة على الليلة، والشهر، في الوثائق، ولم تلبث الكلمة أن اكتسبت معنى "الكتابة التاريخية".



وقد رسخت بهذا المضمون في القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي. ويظهر أنها قد أخذت دلالتها هذه، من كتب التاريخ الأولى، التي كانت تحوي تحديداً زمنياً معيناً، في تراجم الأشخاص، وسني ولادتهم ووفاتهم. ثم تبعتها الحوليات، وكل ما كتب في التاريخ بعد ذلك وظل مفهوم الزمان عنصراً رئيساً وجوهرياً في مضمون التاريخ العربي، أكان في القرون الأولى من نشأة الكتابة التاريخية عند العرب المسلمين، أم في ذروة نضجها في القرنين الثامن والتاسع الهجريين/ الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين. ويظهر هذا واضحاً في تعريف الطبري (ت 310هـ/923م) للتاريخ في مقدمة كتابه "تاريخ الرسل والملوك"، في حين أن السخاوي (ت 903هـ/1497م) في كتابه "الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ" أكد أن موضوعه هو الإنسان والزمان.

التقويم القمري عند العرب

وقد اتبع العرب في شبه جزيرتهم قبل الإسلام، التقويم القمري، كما فعلت حضارات ما بين النهرين، وعدة الشهور عندهم اثنا عشر شهراً، وكانوا ينسؤون الشهور، أي يكبسون بعض السنين القمرية، بالزيادة في أشهرها لإلحاقها بالسنة الشمسية، إلا أن الإسلام نهى عن ذلك لما حدث من اضطراب في حياتهم الاجتماعية. وكانوا يوقتون بالليالي دون الأيام، بخلاف ما كان يفعله الفرس واليونان. وكانوا يؤرخون بالنسبة للحوادث العظام في تاريخهم، كسيل العرم، وعام الفيل، وبناء الكعبة، ويوم ذي قار، وغيرها.

بداية التقويم الهجري

إلا أنه في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، اتخذ العرب المسلمون مبدأ موحداً لتاريخهم وهو عام الهجرة. وبذلك وضُع للتأريخ العربي عمود أساسي من أعمدة بنيانه، وقُدّمت لتوثيق الدولة خدمة جُلَّى لا تقدر بثمن. فنشأ بذلك "التقويم الهجري" المعتمد على "التقويم القمري" وحده، مقابل التقويم الميلادي الموجود سابقاً. واعتبر الفاتح من شهر محرّم بداية للسنة الهجرية، وكان يوافق آنذاك 15 أو 16 تموز 622م.

الرواية الشفوية والكتابة لتوثيق التاريخ

وقد عمل العرب قبل الإسلام في جزيرتهم، على استذكار تاريخهم، ونقله من جيل إلى جيل عن طريق الرواية الشفوية، التي ضمنَّوها في أشعارهم وأخبارهم، أو بوساطة الكتابة، وقد اتبع الوسيلة الأولى بصفة خاصة، البدو منهم، أما الوسيلة الثانية، فقد انتهجها العرب المتحضرون في بلاد العرب الجنوبية وفي الحيرة، وأرض الغساسنة في الشمال.

أما عرب الجنوب فقد دوَّنوا أخبارهم نقشاً، وبالحرف المُسْنَد، على جدران قصورهم ومعابدهم. وقد تعرّف الباحثون المعاصرون بالاعتماد عليها الكثير من تاريخ بلاد اليمن، في الحقبة الممتدة من القرن العاشر قبل الميلاد حتى السادس الميلادي. بل إن المؤرخ الهمداني (ت 338هـ/ 949م) في كتابه "الإكليل" يشير إلى أنَّه قرأ زُبرُ حْميَر القديمة ومساندها الدهرية. وكذلك جاء أن أهل الحيرة كانوا يدونون أخبارهم وأنسابهم ويأتمنونها بيعهم، والأمر نفسه يقال عن العرب في شمالي شبه الجزيرة وبلاد الشام، فقد عُثر فيها على كثير من النقوش الكتابية، وقد دونت بالخطوط اللحيانة، والصفوية، والثمودية، والنبطية، ومنها نقش النمّارة، ويرجع إلى سنة 328م، ونقش شراحيل ويعود إلى سنة 568م ويشير إلى تدمير خيبر، الذي حدث في سنة سابقة.

العرب وتدوين التاريخ

لما جاء الإسلام، لم يُدَوِّن العرب، من تفاصيل هذا الحدث الضخم من تاريخهم، سوى ركيزته الكبرى التي هي القرآن الكريم، والرسائل التي بعث بها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى الملوك وشيوخ القبائل، يدعوهم فيها إلى الإسلام، والعهود التي عقدها، مع أن الإسلام هو دين تاريخي، فالقرآن الكريم نفسه، قد حوى تاريخ الكون والإنسان، وتاريخ الرسالة الإسلامية ومضمونها، وربطها برسالات الأنبياء قبل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. كما ربطها بتاريخ شعوب وأقوام متعددة، ومنذ بدء الخلق، وبذلك أكَّد مفهوم التطور، وروابط التاريخ الإنساني، وهي عناصر أساسية في علم التاريخ. وطرح على الفكر المسلم، الرؤية التاريخية للوجود، وللعمل الإنساني فيه، وحثَّه على التأمل فيهما. ولا تخلو جلّ سور القرآن الكريم من عرض لحدث تاريخي، أو إشارة لواقعة، أو تذكير بسنّة ماضية، مع تعليلها ونتائجها. وإنَّ تأكيده الإيمان باليوم الآخر، وبالحساب فيه، أعطى لتاريخ الإنسان بعداً مستقبلياً، فالحياة الحاضرة للإنسان، هي فعل تاريخي تتلاقى فيه أبعاد الزمن الثلاثة، الماضي والحاضر والمستقبل، وأعماله لن تُنسى أو تضيع، بل هي مسجلة عليه، وسيحاسب عليها في اليوم الآخر. وبذلك دفع الإسلام الإنسان إلى التفكير بالماضي ليعتبر، ويُضاء له طريق الحاضر، وحبَّب إليه تسجيل أعمال الحاضر لخدمة المستقبل.



وقد كانت الفكرة السائدة حتى عهد قريب، كما أشير سابقاً، أن المسلمين الأوائل لم يدّونوا تفاصيل أحداثهم، وقد يكون ذلك بسبب وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم أولاً، ولاستغراقهم في خضم الدعوة الإسلامية ثانياً، ولأن القرآن الكريم كان هو تاريخهم الكبير ثالثاً. ومن ثمَّ اكتفوا بأن وعوا حاضرهم ذاكرةً، ورووه شفاهاً، ونقلوه لجيلين تقريباً بهذه الطريقة، وعلى رواياتهم الشفوية تلك، اعتمد المحدِّثون الأُول، وكتّاب السيرة النبوية، في القرنين الأول والثاني للهجرة/ السابع والثامن للميلاد. إلا أن بعض الدراسات العربية المعاصرة، أخذت تميط اللثام، وبالإثبات المنطقي بصفة خاصة، عن أنه كان هناك تدوين أوّلي لبعض الأحداث، والأحاديث منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، في العصر الراشدي ولو أن ذلك التدوين الأولي، كان على نطاق شخصي، أي إن بعض الصحابة قد قاموا به لأنفسهم. ومع الاعتراف مبدئياً بوجود مثل تلك الكتابة الأوليّة، فإنه يمكن القول إن نشأة التاريخ العربي علماً مدوّناً، ومجموعاً من مصادره الشفوية والكتابية، وبجاهليته وإسلامه، ترجع إلى القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، وإنه في نشأته هذه كان عربياً أصيلاً، وجديداً بفكره، وبتقويمه الزمني، وبأهدافه.