بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد والصلاة والسلام على رسول الله ............. وبعد

يتردد كثيرا بين الفينة والأخرى على المسامع .. أو كما هو شائع.. بأن الرجل أكثر عقلا وتمييزا من المرأة .. بل أحيانا تجد في بعض المجتمعات تهميشا ... واضحا للمرأة ... وبطبيعة الحال هذا ليس من الدين بشيء .. بل هو أحيانا يكون موروثا اجتماعيا أكثر مما هو مستندا شرعيا.. أو قد يكون منبثقا عن حس إيماني خاطئ...
وفي هذه الأثناء أحببت أن أقف وقفات بين شخصيتين تاريخيتين... يطغى فيها عقل المرأة على الرجل ... وينتصر فيها الجنس الناعم على عتو الرجولة ...
تتمثل الشخصية الأولى في ملكة سبأ بلقيس.. وقصتها مع نبي الله عليه السلام سليمان بن داود .. وفيها من رجاحة العقل ورزانته ما أرجح الكفة..
والشخصية الأخرى.. تتمثل في عدو الله الهالك .. فرعون .. وحاله مع نبي الله موسى عليه السلام...
لن ادخل في كل تفاصيل القصتين .. ولكن سأقف على لمسات من مطلوبي...
والآن لنسلط الضوء على ملكة اليمن .. ولنستحضر جلوسها على عرش رصع بالجواهر .. وطلي بالذهب .. وحليَّ بالديباج .. وتحت يدها من الجنود ما أوحى به جبروت الحاشية "أولي قوة وأولي بأس شديد" فأي فخر بعد...!
ولكن طوق هذا الملك بعقل راجح .. ودهاء بالغ... تمثل حال إلقاء الخطاب بين يديها ...
هدهد يحمل كتابا .. كتاب يحمل بين طياته .. كلمات تشع قوة وسلطانا وهيمنة وعزة .. فتح باسم الله .. ورحمته .. وحوى الشجاعة والضغط النفسي من قوة العبارة .. ألا تعلوا علىَّ وأتوني مسلمين...
تتناثر الافكار في عقل بلغ من الحكمة والدهاء مبلغه...
تبدأ بالاستشارة .. وتنتهي بالتجربة.. ( أفتوني في أمري..) .. (إذا دخلوا قرية جعلوا أعزة أهلها أذلة)..
والآن يأتي دور الحكمة .. والدهاء .. والعقل .. والذكاء.. فكيف تعرف طبيعة هذا المرسل..
هل هو فعلا.. ملك دنيا وسلطان جاه .. أم هو نبي يحكم بما أنزل الله...؟!
تبدأ التجربة بإرساله هدية .. شيء من متاع الدنيا.. فالهدية تقرب القلوب.. فإن قبل .. فهو من أهل الدنيا .. والسلطان..
وإن رفض .. وأبى .. إلا الإتباع .. فهو فعلا نبي .. ولا يلتفت لزخارف الحياة...
وتفاجأ بالهدية ترد .. والمندوب يعود مخذولا.. بأن ما عند سليمان هو أعظم .. من كل ما تملك .. ننتقل .. إلى نهاية القصة .. وفيها لب الموضوع...
العرش... أهكذا عرش؟؟ .. جواب العقل الرزين .. فلا تسرع ولا تخبط .. كـأنه هو..!! .. فلم تجزم بالقول .. ولم تنفي المرئي... بل جعلت الأمر محتمل..
ثم .. تأتي المعجزة .. الأخرى .. وهي دخول الصرح..
قصر بني من الزجاج وأجري الماء من تحته .. والأسماك تعوم فيه..!!!
أي شيء هذا...
لا تملك إلا أن تقول :" رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين"
فالله در هذا العقل .. بعيدا عن الكبرياء.. رغم حُلة الملك والجاه والسلطان.. والحاشية والخدم... بعد اليقين .. تأتي الهداية ..
ولنقلب الصفحة إلى جبروت الرجل .. المؤدي به إلى التهلكة ...
قال موسى عليه السلام لفرعون .. أسلم .. قال بلسان الجبرون:" ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين؟" فكيف أسلم لمن عاش في بلاطي ..!!
قال معي من الله ما يدل على نبوتي .. قال إإت به أن كنت من الصادقين..
قال: أليست هذي عصا.. قال: بلى .. قال: انظر .. فألقى بها .. فإذا هي ثعبان .. تدب فيه .. الحياة .. قال: كيف سحرتني .. -لسان التكذيب والجبروت- .. قال: هذه حقيقة .. وهناك آية أخرى .. فانظر إلى يدي .. فأخرجها له .. وإذا هي بيضاء ناصعة .. قال: ما ازددت فيك إلا إيمانا بسحرك..!!!
لسان الجبروت والدكتاتوريه .. " قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم، يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون..؟" فالتلبيس عليهم بنعت الداعية .. قبل طلب الرأي والمشورة ...!! حتى لا يكون هناك مجال بأن يتم الحوار ..
تظهر آية أخرى .. وهي أن العصا تلتهم الحبال.. ولكن يضل الجبروت كما هو .... قال السحرة :" آمنا برب العالمين" .. قال بلسان الجبروت :"آمنتم له قبل أن آذن لكم..؟!!!"
يخرج موسى عليه السلام من ومعه .. فيتبعه الطاغية بالجند والعتاد ..
حتى يصل موسى عليه السلام ومن معه إلى نقطة الصفر.. فالبحر من أمامهم .. والعدو من خلفهم....
فيأتي نداء السماء .. " أن اضرب بعصاك بالبحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم" أصبح البحر اثنا عشر طريقا يابسا.. والبحر كالجبل .. واقفا..
موقف مهول .. لا يملك العقل البشري أمامه إلا التسليم .. وإجبار النفس على الخضوع .. ولكن جبروت الطغيان .. يقود فرعون .. وحاشيته إلى سلوك الطريق الذي مشى فيه نبي الله عليه السلام .. فتختم سجل حياته الاسود .. بالغرق المميت ..
فما أعقلك يا بلقيس المؤمنة .. وما أدهاك .. رغم كونك امرأة ..
وما أغباك يا فرعون الكافر.. وما افشلك... رغم كونك رجل ..
فمهما كانت المرأة .. فهي تملك .. عقل .. وتفكير .. وإدراك ..
فكم من السنة نقلت لنا أم المؤمنين عائشة .. رضي الله عنها..
وكم رجع إليها كبار الصحابة يسألونها عن المسألة ..
وكم من رجل .. جلس بين يدي النبي عليه السلام تكربل في جهنم من جماعة عبد الله بن سلول ..
فهذه .. وقفة بسيطة .. لنعطي كل ذي حق حقه ..
آمل أن اكون اوصلت الفكرة ..
تحياتي