كان أول ما سأل عنه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وهو يعاين الأرض الشاسعة المتلألئة في القرية الساحلية البكر "ثول" الواقعة على بعد 87 كيلاً إلى الشمال من مدينة جدة، وهي الأرض التي سيقام فوقها مشروع عمره الكبير وعلى رمالها الذهبية سيتجسد حلمه القديم الجديد واقعاً مثمراً لهذه البلاد وأهلها والمنطقة والعالم أجمع، وقبل أن يدق في المكان مسمار واحد والبحر الأحمر على مد البصر يموج ببشارات غد مشرق وجميل، كان أول ما سأل عنه الملك عبدالله هو المساجد بيوت الله في أرضه، أين ستكون وكم عددها بدءاً بالجامع الشاهق بقببه ومناراته العالية ونقوشه الإسلامية الخالصة ومساحته الرحبة التي تفيض بالفن والتجريد الإسلامي الرفيع، الجامع الذي يتوسط اليوم جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية كتحفة معمارية لا مثيل لها، ويحمل اسم الملك نفسه، وفي كل حي من أحياء المدينة الجامعية السكنية داخل حدود الحرم الجامعي ينتصب مسجد كبير بمآذنه ومبانيه وملحقاته، بل بجانب إدارات الجامعة ومراكزها وقاعاتها تنتشر بيوت الله بأحدث بناء وأجمل تخطيط وأفخر فرش وأثاث، بل إن في كل طابق في مباني الإدارة تم تخصيص غرف واسعة كمصليات يرتاح فيها المسلمون والمسلمات تباعاً بأداء صلواتهم المفروضة والمكتوبة دون وصاية أو أمر أو دعوة أو مراقبة.
لم يكن تساؤل الملك عبدالله بن عبدالعزيز عن مواقع المساجد في جغرافيا حلمه الكوني النبيل، من قبيل الدعاية أو المزايدة على الدين أو بحثاً عن رضا فئة بعينها وانتزاع مباركتها ومدائحها، أو استخداماً ذكياً للورقة الدينية كما يفعل غيره، كلا لم يكن الملك في تصوري ينطلق في سؤاله ذاك من هذه المنطلقات أو ما يشابهها. الملك عبدالله كان عفوياً وتلقائياً كما هي عادته حفظه الله يجهر لسانه بما في قلبه، هو واضح شفاف وعميق أيضاً. وقد استمد هذه الصفات من نشأته المبكرة وبيئته التي تربى فيها كما جاء في سيرته المضيئة أنه تلقى تعليمه المبكر على أيدي كبار العلماء والفقهاء. وقد كان منذ الصغر متمسكاً بالدين ومتعلقاً بالتاريخ، وحريصاً على الالتصاق بالتراث العربي، متأثراً بما كان عليه والده الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، مؤسس الدولة السعودية. وكان الملك عبدالله شغوفاً بالمطالعة والاطلاع، فأحاط نفسه بالكتب ومناهل العلم منذ نعومة أظفاره، ليروي تعطشه الدائم للعلم والمعرفة. ويعرف الملك عبدالله أيضاً بحبّه للطبيعة، الذي ترسّخ في وجدانه بشكل خاص خلال الفترات التي كان يقضيها في الصحراء، ليعايش من خلالها حياة البداوة مع قبائل البدو. وقد لعب ذلك دوراً هاماً في ترسيخ ما غرس في وجدانه من قيم البداوة الأصيلة، مثل الشهامة والبساطة والكرم والشجاعة. وإذ أقول ببساطة الملك وعمقه في آن واحد، فلأن ذلك تجلى في مشهد تأسيس الجامعة وهو يسائل الموكلين بالتنفيذ عن حصة المساجد في هذا المشروع الضخم، وتجلى أيضاً يوم افتتحها حفظه الله بحضور قادة الدول وزعمائها، حيث كان يجول بهم في المعرض الذي حوى مجسمات مباني ومنشآت الجامعة، فكان جامعه الكبير والمساجد الأخرى هي أول شيء أشار إليه بفخر واعتزاز. وقد بدأ بالمسجد هناك وهنا، قبل وبعد، لا من أجل التأكيد على استمرار نهجه ورعايته وحرصه وحرص بلاده على الثبات على المبدأ الذي قامت عليه المملكة ولا ليدفع شبهات الخفافيش المبكرة التي كانوا يلمحون بها حينذاك قبل أن يصرحوا بها أخيراً ليهزوا نزاهة صورة الحلم الناصعة قبل أن تتشكل حقيقة على الأرض، ولا ليرمز لإيمانه وحرصه على العبادات، لأن هذه بالذات مسألة أو علاقة تعبدية خاصة بين العبد وربه. ولهذا كان الملك عبدالله أكثر عمقاً من تلك المفاهيم المحلية الضيقة، لأنه أراد أن يؤصل مشروعه العلمي بالمسجد كمكان أو كمؤسسة رائدة في الإشعاع الحضاري الأول، فقد لعب المسجد دوراً تاريخياً كبيراً في بث نور المعرفة والعقل منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وكان أشبه بالملتقى الثقافي الواسع بمفهومه الشامل، ففيه الدرس والعلم والحوار والتخطيط ورسم الاستراتيجيات للدولة ووضع السياسات الدبلوماسية وحتى العسكرية إذا تطلب الأمر، إنه، أي المسجد، منبع الإشعاع الأول للحضارة الإسلامية العظيمة التي سادت العالم في مراحلها الأولى قبل أن يحصل الارتداد والنكوص بتغييب كل ذلك!!
لقد صليت في جامع الملك عبدالله غير مرة في رمضان وكان يؤمنا رجل عذب الصوت أنيق المظهر مسفر الوجه تتقافز من ملامحه البشاشة ومن شفتيه تقطر ابتسامة الود والألفة، هذا الإمام اسمه "لطف الله حاتم" وكان في التراويح والقيام يحلق بنا نحن عشرات المصلين في سماوات بعيدة يصعد بنا ترتيله الموزون والمموسق عالياً حتى لتكاد أرواحنا تذوب في المطلق اللانهائي، وكان يعتذر عن إطالته في القراءة وخشيته أن يشق علينا بالوقوف المديد مبرراً ذلك بقوله "نحن في ليالٍ وتريّة مباركة فلا بأس لو أطلنا قليلاً وتعبنا قليلاً لأن وراءنا يوما طويلا وشاقا جداً"، ولم يكن يدري أن الله وهبه صوتاً لا يشعر المصلي خلفه بالملل والسأم، بل يزيده خشوعاً وانخطافاً إلى الأعلى. وقلت له بإعجابي باسمه "لطف الله" وقلت له جازماً إنه لا شيء في الكون يحدث بالمصادفة، وليست مصادفة أبداً عندما تشكل جامعة الملك عبدالله في قياداتها وكثير ممن ينتمي إليها أسماء لها دلالاتها الطيبة والمطمئنة والمضيئة، فكما هناك لطف الله هناك أيضاً (النصر) الناظم الحكيم لقصيدة كاوست التي دندنها (جميل) وأنشدها (عبدالله) الذي (وكّل) بهندسة برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث فنجح بمهارته وجديته في الارتقاء بالتعليم أعلى من ذي قبل لتتلقفه كاوست (على عجل)، ومن هنا شعّت (فضيلة) الجامعة بأنوار (صلاح) يسندها (دعاء) المحبة والتسامح وأفكارٌ (سامية) بالعقل والقلب معاً لتأخذ الناس إلى (سعد) المستقبل المنتظر وبهجة خالدة ينثرها جندي مجهول يدعى (مساعد) وهذا الرجل من فرط طيبته شبهته بالسحرة، فهو لا يضع يده في شيء إلا ويبارك الله فيه وما أكثر الأشياء التي حركها (ولد عبدالمحسن الخالدي) وبارك الله فيها!
وكما في كاوست علوم حياة ومعرفة وأبحاث دنيا فهناك قلوب تعمل للآخرة ليس عبر المسجد فقط بل حتى في خارجه، فكل هذا التنوع البشري والجنسي والثقافي والفكري والبيئي الذي يشكل جامعة الملك عبدالله اليوم يوحد ويؤلف كل هؤلاء من أجل خدمة البشرية والعبور بسلام وأمان إلى الضفة الأخرى والأجمل، ومن يفعل ذلك فهو في خدمة الخالق حتماً، وهل هناك خدمة لله أكبر من خدمة خلقه والتعايش والتعاون معهم في صنع الحضارة الإنسانية وإعمار الكون بالمحبة والإخاء والسلام لتحقيق غاية المعبود من خلقه لعبيده..
وليت الذين (شنعوا) ولا يزالون يشنعون على الجامعة يرون ما أراه بعيني في كاوست كل يوم وليلة، أعني ذلك الذهب الصافي الذي يسيل من كلمات الأذان وإقام الصلاة في منارات جامع الملك عبدالله وكيف يتوقف الغربيون ومعهم أطفالهم ويوجهون أبصارهم جميعاً إلى فوق، يعلقون عيونهم على تلك المآذن الشامخة، يشاهدون بانبهار ويصغون إلى النداء الرباني الآسر إصغاء الوادع المطمئن.
فشكراً لك يا عبدالله بن عبدالعزيز، يا أيها الملك الصالح، يا صاحب القلب الإنساني الشفيف الرفيق الرقيق، يا من يبش في وجه كل من يقابله بتلك الضحكة الصافية كمياه النبع. فلتكن دائماً بخير يا سيدي، ولتنم قرير العين والروح مستحقاً وحفيّاً بدفقة الرضا والسكينة والطمأنينة التي يغمرك بها الرحمن. ولا نامت أعين الجبناء المارقين!!

بارك الله فيك أيها الكاتب