فَمِنَ العَـارِ أَنْ تَمُـوتَ جَبَانَـا

الشجاعة هي الصبر و الثبات و الإقدام على الأمور النافعة تحصيلاً و على الأمور السيئة دفعاً ، و تكون في الأقوال و الأفعال ، والشجاعة التغلب على رهبة الموقف إذا كان المقصود من الشجاعة نصر الحق والدفاع عنه و عن الفضيلة و المروءة و الكرامة ، و رد الباطل و الجور و الطغيان و تحصيل المنافع الفردية و الجماعية للإسلام و المسلمين فهي شجاعة محمودة، أما إذا كان يُقصد من الشجاعة غرض دنيىء فاسد حرام دنيوي كقطّّع الطرق فهي ذميمة 0فالنبي محمد صلى الله عليه عليه وسلم كان أشجع الأنبياء ( و بالتالي فهو أشجع الخلق جميعاً)
وايضا هناك أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام كابو بكر وعمر وعلي وغيرهم في الشجاعة وعبدالله بن الزبير وأبا ذر وخالد بن الوليد والبراء بن مالك وكثير 000والعرب تحب الشجاع وتكره الجبان وكانوا بأشعارهم يفتخرون بفعل الشجاع ويذمون الجبان والأشعار في هذا المجال كثيرة يقول كثير عزة :

ترى الرجل النحيف فتزدريه ----- و في أثوابه أسد هصور

و يعجبك الطرير إذا تراه ----- فيخلف ظنك الرجل الطرير

و قد عظم البعير بغيرلبّ ----- فلا عرف لديه و لا نكير



وهذا خبيب بن عدي وقف على المشنقة و جسمه يُقطع و هو ينشد قائلاً :

و لست أبالي حين أقتل مسلماً ----- على أي جنب كان في الله مصرعي

و ذلك في ذات الإله و إن ----- يشأ يبارك على أشلاء شلو ممزع

حبيب بن زيد الأنصاري قطع جسمه مسيلمة الكذاب قطعة قطعة و صمد حتى آخر قطرة من دمه

شبيب بن يزيد الخارجي من أشجع الناس كان معه ستون مقاتل من الخوارج هزم الحجاج الذي معه ثلاثة الآف ثم تتبع الحجاج في كل غزوة ، كان من شجاعته ينام على البغلة في المعركة قال ابن كثير في ذلك : من قوة قلبه

وقفت و ما في الموت شك لواقف ----- كأنك في جفن الردى و هونائم

تمر بك الأبطال سلمى هزيمة ----- و وجهك وضاح و ثغرك باسم

شبيب كاد أن ينتصر على الحجاج لكن فرسه رأى بغلة (عشق بغلة ) فاقتحم ومن على نهر دجلة من على الجسر فوقع على النهر و كان شبيب مربط على الفرس فغطس به الفرس و ارتفع و غطس و ارتفع و أخذ يقول لله الأمر من قبل و من بعد ثم مات فلما تأكد الحجاج من موته شق بطنه وأخذ قلبه فوجده كالكرة ضرب به في الجدار فقفز قلبه ، و امرأته غزالة شجاعة مثله حضرت الحجاج و قاتلت الحجاج و دخلت بيت الأمارة فهرب الحجاج من الباب الآخر فدخلت المنبر و أخذت السيف و خطبت في الناس فيقول أحد المسلمين ممن سجنهم الحجاج : يا مجرم يا حجاج سجتنا و عذبتنا و فررت من غزالة.

أسد عليّ و في الحروب نعامة ----- فذخاء تنفر من صفير الصافر

هلاّ بارزت إلى غزالة في الوغى ----- إذ كان قلبك في جناحي طائر

مرحب اليهودي قتل سبعة من المسلمين آخرهم عامر بن سنان بن الأكوع ، فخرج له علي بن أبي طالب يبارزه فقطع رأسه كأنه لم يُخلق له رأس فكان فتحاً من الله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم و من معه . يقول مرحب قبل المبارزة :

أنا الذي سمتني أمي مرحب شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب

فقال علي :

أنا الذي سمتني أمي حيدرة كليث غابات كريه المنظرة أكيلكم بالسيف كيل السندرة0


قيل لعبدالملك : من أشجع العرب في شعره ؟ فقال : عباس بن مرداس حين يقول :

أشد على الكتيبة لا أبالي ----- أحتفي كان فيها أم سواها


قال المتنبي في الشجاعة :

أصارع خيلاً من فوارسها الدهر ----- وحيداً و ما قولي كذا و معي الصبر

و أشجع مني كل يوم سلامتي ----- و ما ثبتت إلا و في نفسها أمر

تمردت بالآفات حتى تركتها ----- تقول أمات الموت أم ذعر الذعر

وأقدمت إباء الأبي كأنني ----- سوى مهجتي أو كان لها عندي وتر

و قال المتنبي:

أرى كلنا يبغي الحياة بجهده ----- حريصاً عليها مستهاماً بها طبا

فحب الجبان النفس أورده البقا ----- و حب الشجاع الحرب أورده الحربا


قال الخارجي قطري بن الفجاءة:

أقول لها و قد طارات شعاعاً ----- من الأبطال و يحك لن تراعي

فإنك لو سألت بقاء يوم ----- على الأجل الذي لك لن تطاعي

فصبراً في مجال الموت صبراً ----- فما نيل الخلود بمستطاع

و لا ثوب البقاء بثوب عز ----- فيطوى عن أخ الخنع اليراع

سبيل الموت غاية كل حي ----- و داعيه إلى أهل الأرض داع

ومن لا يعتضد يهرم و يسقم ----- و تسلمه المنون إلى انقطاع.

محمد بن حميد الطوسي عمره ما يقارب 32 أختاره المعصتم لقيادة الجيوش الموحدة و كان له إمام حنفي و قاض و علماء معه يقاتلون الروم فلما حضرت المعركة خرج القائد الطوسي و لبس الأكفان عليه فأخذ يقاتل من صلاة الفجر إلى صلاة الظهر و من الظهر إلى صلاة المغرب ثم قُتل قبل الغروب فلما قُتل بدأت النوائح في بغداد فقال أبو تمام قصيدة يعزي المعتصم :

كذا فليجل الخطب و ليقدح الأمر ----- فليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذر

توفيت الآمال بعد محمد ----- و أصبح في سفر عن السفر السفر

فتى كلما فاضت عيون قبيلة ----- دماً ضحكت عنه الأحاديث و الذكر

تردى ثياب الموت حُمراً فما أتى ----- لها الليل إلا و هي من سندس خضر

ثوى طاهر الأردان لم تبق بقعةً ----- غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر

عليك سلام الله وقفاً ----- فإنني رأيت الكريم الحر ليس له عمر

سمع المعتصم القصيدة و عيونه تهراق بالدموع فيقول : يا ليتني أنا المقتول و قيلت فيّ .

إِذَا كَشَـفَ الـزَّمَـانُ لَكَ القِنَـاعَا
وَمَدَّ إِلَيْـكَ صَـرْفُ الدَّهْـرِ بَـاعَا
فَـلاَ تَـخْشَـى المَنِيَّــةَ وَالتَقِيْـهَا
وَدَافِـعْ مَا اسْتَطَـعْتَ لَهَـا دِفَـاعَا
( عنترة بن شداد )
* * *
وَكُـلُّ شَجَـاعَةٍ فِي المَـرْءِ تُغْنِـي
ولا مِثْـلُ الشَّجَـاعَةِ فِي الحَكِيـمِ
( المتنبـي )
* * *
وَلَـوْ أَنَّ الحَيَـاةَ تَبْقَـى لِحَـيٍّ
لَعَـدَدْنَـا أَضَلَّنَـا الشُّجْعَـانَـا
وإِذَا لَمْ يَكُـنْ مِنَ المَـوْتِ بُـدٌّ
فَمِنَ العَـارِ أَنْ تَمُـوتَ جَبَانَـا
( المتنبـي )
* * *
وأَشْجَـعُ مِنِّي كُلَّ يَـوْمٍ سَـلامَتِي
ومَا ثَبَتَـتْ إِلاَّ وفِي نَفْسِـهَا أَمْـرُ
( المتنبـي )
* * *
إِذَا اعْتَـادَ الفَتَـى خَـوْضَ المَنَايَـا
فَأَهْـوَنُ مَا يَمُـرُّ بِـهِ الوُحُـولُ
( المتنبـي )
* * *
إِنَّ الشُّجَـاعَ هُـوَ الجَبَـانُ عَنِ الأَذَى
وأَرَى الجَـرِيءَ عَلَى الشُّـرُورِ جَبَـانَا
( أحمد شوقي )
* * *
ومَا فِي الشَّجَـاعَةِ حَتْـفُ الشُّجَـاعِ
ولا مَـدَّ عُـمْـرَ الجَبَـانِ الجُبْـنُ
( أحمد شوقي