قال تعالى ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) (هود:102) لفظ المؤاخذة من الأخذ ومنه قوله تعالى ( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا )(البقرة: من الآية286) وقوله تعالى ( إن أخذه أليم شديد ) كقوله ( إن بطش ربك لشديد ) سورة البروج 12 وقال تعالى ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) (الأنعام:42) وقال تعالى ( وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) (المؤمنون:76)

فهذا تعذيب لهم في الدنيا ليتضرعوا إليه وليتوبوا وذكر هنا أنه أخذهم بالعذاب ولم يقل بالذنوب كأنه والله أعلم ضمن ذلك معنى جذبانهم إلينا لينيبوا وليتوبوا وإذا قال فأخذهم الله بذنوبهم يكون قد أهلكهم فأخذهم إليه بالهلاك
والمقصود هنا أن كل ما يفعله الرب ويخلقه فوجوده خير من عدمه وهو أيضا خير من غيره أي من موجود غيره يقدر موجودا بدله فكما أن وجوده خير من عدمه فهو أيضا خير من موجود آخر يقدر مخلوقا بدله كما ذكرنا فيما يأمر به أن فعله خير من تركه وأنه خير من أفعال غيره يشتغل بها عنه كما في قوله تعالى ( إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(الجمعة: من الآية9) وقولنا فعله خير من تركه سواء جعل الترك وجوديا أو عدميا

والرب تعالى له المثل الأعلى وهو أعلى من غيره وأحق بالمدح والثناء من كل ما سواه وأولى بصفات الكمال وأبعد عن صفات النقص فمن الممتنع أن يكون المخلوق متصفا بكمال لا نقص فيه والرب لا يتصف إلا بالكمال الذي لا نقص فيه وإذا كان يأمر عبده أن يفعل الأحسن والخير فيمتنع أن لا يفعل هو إلا ما هو الأحسن والخير فإن فعل الأحسن والخير مدح وكمال لا نقص فيه فهو أحق بالمدح والكمال الذي لا نقص فيه من غيره قال تعالى ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) (لأعراف:145) وقال ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ )(الزمر: من الآية18) )وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(الحج: من الآية77) وقال ( وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) (الزمر:55) وقال ( وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(الحج: من الآية77) وقد قال تعالى في مدح نفسه ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران:26)
وقال تعالى ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ )(الزمر: من الآية23) فكلامه أحسن الكلام وقال تعالى الذي أحسن كل شيء خلقه الآية سورة السجدة 7 فقد أحسن كل شيء خلقه وقال صنع الله الذي أتقن كل شيء سورة النمل 88 وهو سبحانه الرحمن الرحيم الغفور الودود الجواد الماجد وهو سبحانه الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم وهو أرحم الراحمين وخير الراحمين كما قال أيوب مسني الضر وأنت أرحمن الراحمين سورة الأنبياء 83 وقال لنبيه وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين سورة المؤمنون 118 فهو أحق بالرحمة والجود والإحسان من كل أحد

وقد قال سبحانه وربك يخلق ما يشاء ويختار ثم قال ما كان لهم الخيرة سورة القصص 68 فأخبر أنه يخلق ما يشاء ويختار والإختيار في لغة القرآن يراد به التفضيل والإنتقاء والإصطفاء كما قال فلما أتاها نودي يا موسى إلى قوله وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى سورة طه 11 13 وقال تعالى ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين سورة الدخان 30 إلى قوله ولقد اخترناهم على علم على العالمين وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين سورة الدخان 32 33 وقال في الآية الأخرى ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة الآية سورة الجاثية 16 ومنه قوله تعالى واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا سورة الأعراف 155 ومنه في الحديث إن الله اختار من الأيام يوم الجمعة ومن الشهور شهر رمضان واختار الليالي فاختار ليلة القدر واختار الساعاة فاختار ساعات الصلوات رواه ابن عساكر في كتاب تشريف يوم الجمعة وتعظيمه عن كعب الأحبار