د.حامد علي هرساني
في ظل أزمة الإسكان وموجة الغلاء التي تبقي على قمتها كل شيء أتت عليه لتنقله إلى موجة أعلى فاعلي، أصبح المواطن يتلهف إلى خبر سار هنا أوهناك خاصة ما يتعلق بتوفير قطعة أرض لمواطن يقيم عليها سكنا انتظره عشرات السنوات. وما يدور في الساحة العقارية حاليا هو تطوير مخطط ولي العهد أو جزء منه أو البدء في ذلك أو في جزء منه ولكن اللافت أن هذا التطوير يجعلنا أو يضطرنا إلي الشك والتعجب في نجاح محاولات حل أزمة الإسكان (تلك المحاولات التي تشرف عليها وزارة الإسكان ووزارة الشؤون البلدية والقروية). ومصدر الشك هو غياب وزارة الإسكان عن مثل هذا المشروع بينما المتوقع تسليم هذه الأراضي لوزارة الإسكان بحكم الاختصاص أولا وثانيا لأن وزارة الإسكان تؤكد عدم توفر الأراضي لإقامة المساكن وهي حجة وزارة الإسكان التي يعرف كل مواطن أنها حجة واهية عندما ينظر إلى ما حول مدينته من الأراضي البيضاء وهذا المخطط أكبر دليل على وفرة الأراضي. وعدم توفر أراض هو أقوى تبرير تعتمد عليه وزارة الإسكان لتعتذر عن عدم تمكنها من تنفيذها مشروع خادم الحرمين الشريفين لبناء نصف مليون وحدة سكنية. ومصدر التعجب في هذه المحاولات هو مساهمتها المعلنة رسميا ونظاميا في تعميق وتأصيل أزمة الأراضي التي تتمركز وتتمحور في مفهومين أصبح كل مواطن بهما خبيرا وهما الاحتكار والمضاربة. عودة إلى الأرقام لتأييد ما ذهبنا إليه من شك وتعجب. عدد القطع الناتجة من عملية التطوير أو إجمالي عدد القطع ثلاثون ألف قطعة أو منحة لثلاثين ألف مواطن والحجم الكبير لهذا العدد يثير بعض التساولات: هل هذا التطوير يعني أن خدمات الكهرباء والماء ستصل إلى هذه القطع أم فقط البنية التحتية داخل المخطط الجواب المحفوظ عن ظهر القلب لدى المواطن نعم سيتم الانتهاء من السفلتة والرصف وبعدها وبعد سنوات طوال حسبما جرت عليه العادة وعندما تصل الكهرباء والماء والهاتف عندها وعندها فقط سيتم تكسير هذه الشوارع لإيصال تمديدات الكهرباء والخدمات، ويا لها من خسارة نراها يوميا أمام أعيننا ولا أعلم أي طريق يسلكه المسؤول لتفادي النظر إليها حتى إذا وجه الإعلام إليه نقدا أنكر وأقسم أنها تهم باطلة لتصفية حسابات سابقة، ما علينا نعود لأرقامنا. ثلاثون ألف قطعة تمنح ولعل بعضها قد منح فماذا سيكون مصيرها إن الهدف النبيل منها هو المساهمة في حل أزمة الإسكان بتوفر أرض يبني عليها المواطن سكنا يخفف عنه أعباء الغلاء ويحل جزءا من أزماته الأخرى الصحة والتعليم وغيرها والطلبات لا تنتهي والدخل منخفض ولا أمل في زيادات رواتب (كما حدث في دول خليجية مشابهة من زيادات وصلت إلى 100 في المائة) لأنه قد استنتج وتوصل الخبراء إلى أن زيادة المرتبات عندنا تؤدي إلى نكسة اقتصادية وما عند المواطن يكفيه ويمكنه التوفير إلا أنه لا يكيف وضعه ليتناسب مع دخله، فغرفة واحدة على السطح تكفيه سكنا ووجبة أو اثنين تكفيه طعاما والله هو الشافي المعافى والزهد في الدنيا أجره عظيم في الآخرة. لو سلمنا جدلا أن قطع الأرض سيتم تجهيزها لتكون جاهزة للسكن بعد البناء هل يستطيع المواطن أن يبني قطعة الأرض الممنوحة له الجواب لا وبكل بساطة لا توجد لديه سيولة (كما سبق فالفقر يطارد الجميع) ولا شك في ذلك إذا كان الموظف الذي لا يقل راتبه عن 15 ألفا قد لا يملك سكنا ويعاني ويشتكي من الغلاء وهم قلة، فما بالنا بغالبية موظفي الدولة والقطاع الخاص ممن لا يزيد معدل دخلهم عن ثمانية آلاف ريال وهم الغالبية العظمى. هل يستطيع المواطن الحصول على قرض من بنك التنمية لبناء هذه الأرض دون الدخول في دوامة اشتراطات بنك التنمية ومتاهة قائمة الانتظار الجواب لا. هل سيسمح له ببناء بيت من اللِبنة أو وضع خيمة والسكن بها الجواب لا، لأن هذا يتنافى مع كوننا أغنى دولة عربية. وهذا يجعلنا نتساءل ماذا سيكون مصير هذه الأراضي؟
الاحتكار والمضاربة عودة إلى الأرقام 30 ألف قطعة سكنية وتخصيص مقابل التطوير 10 في المائة للشركات المطورة (قد لا ينطبق هذا على جميع المخططات التسع) ما يعادل 3000 قطعة أرض ثلاثة آلاف قطعة أرض أو مساحة أرض تساوي 10 % من المساحة الإجمالية للأرض. هل يعقل هذا هل يمكن أن يحدث هذا في دولة تسعى لحل أزمة السكن (وفك عقدة الاحتكار تحديدا) أن تمنح ثلاث أو أربع أو حتى سبع شركات ثلاثة آلاف قطعة أرض وتحرم ثلاثة آلاف عائلة من الحصول على قطعة أرض. والأهم من الحرمان ماذا سيكون مصير هذه الأراضي التي حصلت عليها الشركة مشكورة، وأنا أعني هذه الكلمة لأنها قامت بتطوير هذه الأراضي دون أن تحصل على سيولة وإنما حصلت على أراض بيضاء، أليس من حق هذه الشركة الحصول على أرباح مقابل مساهمتها في التطوير، الجواب نعم بل من حقها تحقيق أكبر نسبة أرباح، وكيف يكون ذلك أليس بأعلى الأسعار مقابل بيع هذه القطع، وهذا لن يتحقق إلا بالاحتكار والمضاربة، ولا نعلم حتى الآن أن الجهات الرسمية منعتهما (المضاربة والاحتكار) أو وضحت رأي الشرع فيهما. (أنا لا أشكك في نزاهة أصحاب هذه الشركات ومساهمتهم يرجى منها الربح مقابل تقديم خدمات وتمويل المشروع بعد أن عجزت الوزارة، ولكني أتكلم عن نظرة عامة لهذه الطريقة المتبعة لتطوير الأراضي وتحليل عام للوضع). وسيكتمل سيناريو الاحتكار والمضاربة بما سيؤول إليه مصير بقية الأراضي الممنوحة (للمواطن المرهق بالديون والمعاني الأمرين من الظروف المالية والفقر)، أليس مصيرها البيع لمن يريد الاتجار بها وتحقيق بعض الربح بالاحتكار والمضاربة.
مخطط واحد يكفي لبناء عشرين ألف وحدة سكنية رقم جديد آخر 3.8 مليون متر مربع هي مساحة أحد هذه المخططات حوالي أربعة كيلو مترات مربعة، ولو رجعنا إلى صديقنا القديم معيار وزارة الإسكان والذي تخلت عنه الوزارة خمسة أو ستة آلاف وحدة سكنية في الكيلو متر المربع الواحد فإن الوزارة ستتمكن من بناء عشرين ألف وحدة سكنية.

الشراكة مع القطاع الخاص المفهوم العام لإقامة شراكة مع القطاع الخاص مقابل الاستفادة بجزء من العوائد هو حل لأزمة مالية أو ظروف مالية في أغلب الأحيان (وهو ليس موضوعنا وإن ما يعنينا هنا تطبيقه على هذا المشروع وهذه الظروف) فشراكة الجهات الحكومية مع القطاع الخاص لتمويل وتنفيذ مشاريع حيوية ومهمة للدولة مقابل نسبة من عوائد المشروع يكون في حالة عدم توفر سيولة أو لأهداف أخرى اقتصادية أو استراتيجية مثل توظيف الشباب أو تدريبهم وإعدادهم لسوق العمل أو ضمان حسن التشغيل والأداء أو... أو. أما في ظل هذه الطفرة التي نعيشها وغير المسبوقة التي يمر بها الوطن وتدفق السيولة علينا فإننا لا نحتاج إلى رأس مال من الشركات لتنفيذ مشروع لتطوير أرض ثم نمنح هذه الشركات أراضي الدولة وبمئات الآلاف من الأمتار مقابل تنفيذ هذا التطوير. ولو أن منح نسبة 10 في المائة من الأرض لشريك التطوير مشروط ببناء وحدات سكنية عليها وبيعها أو تأجيرها لكان أقرب إلى عقولنا تقبلا. والسؤال الذي لا أعرف جوابا له: لماذا لا تصرف مستحقات هذه الشركات مقابل ما قاموا به من أعمال من السيولة المتوفرة ومن فوائض الميزانيات.
الخلاصة ما دور وزارة الإسكان في حل أزمة الإسكان وبالتحديد موقفها من هذه الازدواجية، ففي الوقت الذي تؤكد فيه شح الأراضي وعدم جدوى توزيع أراضي منح تقوم وزارة الشؤون البلدية بتطوير 30 ألف قطعة أرض منح للمواطنين (وأين في مكة المكرمة أكثر المدن شحا بالأراضي وأغلاها أسعارا وأقلها مساحة)، وطبقا للعرض الذي قدمه وزير الاسكان بين يدي خادم الحرمين لإنشاء عمائر وشقق سكنية فإن هذه المساحة تكفي لإنشاء أكثر من 120 ألف وحدة سكنية خاصة أنها منطقة متسعة ويمكن تخطيطها لتكون مدينة عصرية متطورة قريبة بل على حدود مكة المكرمة. لا ننسى أن حل أزمة السكن في مكة سيلعب دورا في حل أزمة السكن في بقية المدن (عامل أساسي لفك الاحتكار ليس موضوعنا هنا لمناقشته ولكنه لا يخفى على كل من عنده خبرة في سوق العقار) وخفض أسعار الإيجارات بنسبة كبيرة في جدة و بقية المدن تباعا. تنفيذ هذا المشروع بهذا الأسلوب لا يتناسب مع وضعنا الاقتصادي فماذا نستنتج وماذا نقول عن التخطيط، غير أن هذا مشروع قديم تمت دراسته ليناسب مرحلة زمنية معينة لا توجد بها وفورات في الميزانية ولا أزمة سكن وينفذ حاليا، والخوف أن ينطبق عليه المثل إذا أفلس التاجر بحث في دفاتره القديمة.أليست هذه إلا رخصة نظامية للمطور بمنحه مئات القطع لبيعها والمتاجرة بها أو احتكارها للحصول على ما دفعه مقابل التطوير (وهذا حق منحته هو الدولة نقطة نقاشنا ليس المقاول وإنما منحه هذا الحق وما يترتب عليه)هل سيتم منح هذه القطع وتملكها بالطريقة التقليدية التي تجيز البيع والشراء والمتاجرة بهذه الأراضي نعم وإلا كيف سيحصل المطور على مستحقاته وكأنك يا أبا زيد ما غزيت.وتهيئة صالة جديدة "لسوق العقار" ومكان خصب للاحتكار والمضاربة من الأرقام التي نشرت في "الاقتصادية" عن المشروع يبلغ إجمالي المساحات عشرات الكيلو مترات، ما يعني أن الشركات المطورة تحصل على ملايين الأمتار المربعة من الأرض وكأننا دولة فقيرة ميزانيتها لا تسمح بدفع مبلغ التطوير لندفع فواتير التطوير للأراضي.حرمان المواطن من الاستفادة من هذا العدد الكبير من قطع الأراضي الممنوحة مقابل التطوير التي يبلغ عددها 3000 قطعة أرض وبمساحات لا تقل عن 600م2 بلغة الأرقام مساحة أرض أحد هذه المخططات 3.817 مليون متر مربع ومقابل تطوير 2.856 قطعة أرض تحصل الشركات المطورة على 317 قطعة أرض مطورة تقريبا أو 10 في المائة من مساحة الأرض. علما بأن تكلفة التطوير لا تزيد على 90 مليون ريال. بعض الأرقام منشورة في "الاقتصادية" واستنتجتا منها بقية الأرقام. وعليه فإنه يجب أن يكون سعر الأرض أكثر من 300 ألف حتى تحصل الشركة على حقوقها والاستنتاج متروك للمواطن.ليس من المنطق ولا من الطبيعي أن نقول إنه لا توجد أراضٍ ملكا للدولة فنستأجر مبنى لإدارة المرور وآخر للمحكمة وأخرى لكتابات العدل وغيرها ونفرط في هذه المساحات الشاسعة من الأراضي احتياطا استراتيجيا للدولة، نعم الآن بعيدة وغيرها كان أبعد قبل عشر سنوات.




منقول
المصدر




http://www.aleqt.com/2012/04/02/article_642481.html