قانون العرض والطلب بين تحكيمه والتحكم فيه!
من صور بيع النجش ما يقوم به بعض المضاربين بالأسهم
د. يوسف بن أحمد القاسم - - - 27/02/1427هـ
جاء أحمد إلى منزله قادما من صالة التداول، فلم يأت لأهله وأولاده بوجبة الطعام كعادته، ولم يجلس مع أطفاله يمازحهم ويمازحونه كما عودهم، بل ألقى بنفسه على الأرض لا يلوي على شيء، مثقلا بالهموم والديون التي ألقاها على عاتقه من يعبد الدرهم والدينار، والصبية من حوله يتضاغون عند قدمه من فرط الجوع والدهشة، وحين سألته أم أولاده عن حاله؟ أجابها بصوته المنكسر: لقد ظهرت هوامير بشرية في السوق تأكل اليابس والأخضر وتلفظه فيتحول بقدرة الله تعالى إلى أحمر فاقع لونه لا يسر الناظرين! وهذه الهوامير وإن لم تكن كثيرة ولكنها كبيرة الحجم، حتى إنه ليخيل لي أنهم ستة أو سبعة وثامنهم كلبهم، يصطادون في وضح النهار صيودا لا يذكرون اسم الله عليها؛ لأن الحلال عندهم ما حل في أيديهم، والحرام ما عجزوا عن تحصيله! واكتشف أحمد بعد فوات الأوان أن السوق الذي ابتلع ماله ولم يبق منه إلا كالنقطة البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالرقمة في ذراع ال**** أن ذلك السوق لا يتحكم فيه قانون العرض والطلب، بل يتحكم فيه من يعبث بكمية الأسهم بيعا وشراء بقصد قلب موازين السوق لملء جيوبهم وشق جيوب الآخرين! ألا ساء ما يزرون.
وهذه قضية جد خطيرة وهي العبث بقانون العرض والطلب لتحقيق مصالح شخصية، وإن كانت على حساب الآخرين.
ولا شك أن من أبجديات نظام سوق البيع والشراء التي لا تحتاج إلى برهان: أن ارتفاع قيم السلع وانخفاضها خاضع لقانون العرض والطلب، فكلما زاد الطلب على سلعة أو على أسهم ما وانخفض العرض زادت القيمة، وكلما انخفض الطلب وزاد العرض انخفضت القيمة تبعا لذلك.
وحيث إن هذا القانون المألوف جزء لا يتجزأ من حياة السوق الطبيعية، لذا منع شرعنا الحنيف من التدخل في هذا النظام بأي أسلوب كان، لما يؤدي إليه هذا التدخل أو التحكم من إلحاق الضرر بالمتعاملين في السوق في أغلب الأحوال، وأقرب شاهد على هذا ما تشهده سوق الأسهم السعودية من تحكم بعض المضاربين في قوى العرض والطلب حتى أصبح كثير من الأغرار عالة يتكففون الناس.
وفي سوق العصر القديم أساليب كثيرة للتحكم في قانون العرض والطلب، وقد حرمها الشارع وحذر منها، وهي ما يلي:
1 ـ النجش في البيع والشراء، وهو أن يوهم الناجش أو الناجشون إذا كانوا جماعة بأن لهم رغبة في السلعة، بأي أسلوب كان، مما يرغب فيها السّوُام الحاضرون للشراء، فيزيد ثمنها، إما ليجر الناجش لنفسه نفعا أو للبائع أو بقصد الإضرار بالمشتري، وحيث إن هذا الأسلوب مما لا يتفق مع خلق المسلم، لذا فقد جاء النهي عنه، كما في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النجش" وفي رواية لهما "ولا تناجشوا" ومن صور النجش المعاصرة ما يقوم به بعض أولئك المضاربين في سوق الأسهم من تقديم عروض أو طلبات وهمية بأسعار معينة يقصد بها التأثير على أسعار السوق من أجل جني الأرباح ولو على حساب من يبحث عن لقمة عيش لأولاده، وهو أسلوب بالغ في القبح والدناءة.
ومن هذا الباب ممارسة الكذب، ونشر الشائعات في السوق، كإشاعة خبر تنامي الطلب على أسهم شركة ما، مما يرغب الناس في الشراء، حتى أصبح من المقولات السائدة في السوق: "اشتر على الإشاعة وبع على الخبر"، وهذا السلوك الخاطئ حذر منه نبينا صلى الله عليه وسلم في قوله: "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم" وذكر منهم: "المنفق سلعته بالحلف الكاذب" وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال عن المتبايعين: "إن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما".
2 ـ ومن أساليب التحكم في قانون العرض والطلب: الاحتكار للسلع التي تمس حاجة الناس إليها، حيث يحبس المحتكر السلعة عن المستهلكين حتى تقل في السوق ويكثر طلبها والبحث عنها، ثم يعرضها في السوق بعد ارتفاع قيمتها، وهو أسلوب ينم عن ضعة نفس صاحبه، ولهذا حرمه الشرع، كما في صحيح مسلم عن معمر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من احتكر فهو خاطئ" أي مذنب، لأن الخاطئ في لغة العرب: من يتعمد الخطأ، ولهذا قال تعالى فيمن يأكل طعام أهل النار: "لا يأكله إلا الخاطئون" وهذا بخلاف المخطئ، فهو من يقع منه الخطأ بغير قصد، وهذا مما عفا الله تعالى عنه.
3 ـ ومن أساليب التحكم في قانون العرض والطلب: ما جاءت به النصوص الشريفة من النهي عن تلقي الجلب والركبان، وذلك بأن يتلقى مواطن البلد من يقدم إليه من الباعة الغرباء، ممن يحملون معهم البضائع والسلع التي تمس الحاجة إليها، وذلك لبيعها في السوق، فمنع المواطن من تلقيهم لحكم كثيرة، منها: أن الفرد إذا تلقى الركبان فاشترى منهم جميعا البضاعة أو كان لهم سمسارا فإنه بطبيعة الحال سيقل العرض، لأن العارض واحد وليسوا جماعة، وبهذا تغلو الأسعار ويتضرر أهل السوق، ولهذا، وغيره، منع الشارع الحكيم من تلقي الركبان، كما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد" وفي لفظ لمسلم: "لا تلقوا الجلب".
4 ـ ومن أساليب التحكم في قانون العرض والطلب: تسعير السلع وتحديدها بأثمان معينة، ولهذا لما طلب الصحابة رضي الله عنهم من النبي صلى الله عليه وسلم ذات مرة أن يسعر لهم حين غلت الأسعار في المدينة، رفض ذلك، وقال عليه الصلاة والسلام: "إن الله هو المسعر القابض، الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله تعالى وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال" وفي هذا إشارة إلى أن التدخل في شأن السوق دون مبرر شرعي ذريعة لإلحاق الظلم بالمتبايعين. والحديث أخرجه الخمسة إلا النسائي، وإسناده على شرط مسلم.
واستثنى أهل العلم من المنع من التسعير ما إذا احتكر بعض الباعة سلعة من السلع مما تمس الحاجة إليها، فإن لولي الأمر حينئذ أن يتدخل بتسعير تلك السلع، حتى لا يصبح الناس بعامة ألعوبة بيد حفنة من الناس لا يهمها إلا مصالحها الخاصة وحسب، ولهذا كان من الأمر الرشيد أن تسعر بعض السلع والخدمات التي تحتكرها جهة واحدة، كالغاز، الكهرباء، والماء، .. إلخ.
ومما تقدم يتبين لنا أن ما يقوم به بعض كبار المضاربين في سوق الأسهم من تحكم في قانون العرض والطلب، أنه من الممارسات الخاطئة التي حرمها الإسلام منذ أكثر من 14 قرنا، ولهذا نرى ونسمع عن آثاره الخطيرة في السوق، والتي أدت إلى انتكاسات لا يعلم عاقبتها إلا الله وحده، ناهيك عما في أسلوب المضاربة، أصلا، من إشكالات كثيرة أشرت إليها في المقال السابق. ومن أقل الواجب أن تقوم هيئة سوق المال بالقضاء على هذه المظاهر السلبية المؤدية إلى استنساخ عروض وطلبات وهمية لا طعم لها ولا رائحة، أثرت سلبا على القانون الطبيعي للعرض والطلب، كما أثر الاستنساخ في قانون التوالد الطبيعي عبر التكاثر غير المشروع، الذي ما يفتأ أن يموت في لحظته أو بعدها بقليل.