علي سعد الموسى
حديث الملايين لأصحاب الملايين


لا يمكن لي أن أهضم قيمة لاعب كرة في المزاد الرياضي بعشرين مليون ريال، بينما في المقابل يحرم

جراح مخ وأعصاب أو أستاذ هندسة كيميائية من بدل ندرة تخصص جامعي بألفين ومئة ريال في الشهر.


لا يمكن لي أن أتصور بعيرا في المزاد بخمسة ملايين ريال، بينما آلاف الأسر الفقيرة لا تستطيع الواحدة

منها أن تشتري في الأسبوع كيلو "لحمة" وصل سعرها لخمسين ريالاً بالعظم
.



لا يمكن لي أن أتخيل

بصمة المسؤول على قرض صناعي بعشرين مليون ريال من أجل مصنع للبلاستيك يضاف إلى رصة



سابقة أعدمت علينا البيئة. لا يمكن لي أيضا أن أستوعب حفلة تدشين مشاريع بثلث مليار ريال وكلها

مشاريع على الورق مثلما هي الشيكات المسحوبة من ورق. لا يمكن لي أن أبلع قيمة نفق على تقاطع

تناهز المئة مليون ريال، بينما نستطيع أن نبني بها خمسين مدرسة. سنقبل دقائق الانتظار على الإشارة

في قارعة الطريق ولكننا لن نتحمل أن تهرب هذه الملايين بلا مستقبل
.


ما يحدث من حولي هذه الأيام يصيبني بالجنون ويجبرني على تحسس رأسي لأتأكد من أنني لا أعيش

حالة انفصام. أفتح أوراق الصحف لأجدها تتحدث لغة الملايين في زمن صار فيه المليون مجرد

مصروف جيب. أغشى المجالس في صوالين النافذين والبرجواز وهم يلوكون الملايين على ألسنتهم

مثلما ألوك قطعة العلك التي أعرف جيدا قيمتها في رف البقالة المجاورة. أسمع فلاناً وهو يستعرض

قيمة شراء قصره الفاخر بالملايين، بينما هو في وظيفة حكومية بنصف راتبي، فما هي البركة من هذا ـ

المعاش ـ الذي تحول إلى قصور استحالت إلى ملايين؟


لماذا يهرب أفراد (ملايين الفجأة) إلى التبرير بسوق الأسهم، وكيف استطاع هذا السوق أن يحيل

معاشهم إلى ملايين ونحن نعرف أن هذا السوق مجرد مكان لتعويض الخسائر؟ اسمحوا لي أن أتحدث

اليوم نيابة عن الملايين لأسأل بعض أهل الملايين: نحن لا نسألكم عن كيف ومن أين، فهذه أسئلة

محسومة وجوابها لم يعد غبيا حتى على الأبرياء السذج. سؤالي: أعطوني خارطة الطريق ودولوني

على السوق. علموني كيف أستطيع أن أصبح (غاسل أموال)، وكيف أهرب من القانون وبالقانون بلا


احتيال. كيف أبني نفقا على الورق أو أورد جهازا لا يصل منه غير الكاتالوج. استأجروني على الأقل

لفهم اللعبة. دربوني حتى كيف أن أكون (منشفة) في كفوف بضعة هوامير وسأقبل بالمنشفة فهي اليوم تقطر بالملايين.