مليون سعودي يستهلكون من الوقود ما يستهلكه مليار نسمة في الهند
انخفاض أسعار الوقود مقارنة بالدول الأخرى
تعالت الأصوات المنادية بالتقليل من استهلاك وقود السيارات في السعودية في الفترة الأخير خوفاً من الآثار الاقتصادية والبيئية السلبية للاستهلاك الكبير وغير المسئول من شرائح ومؤسسات المجتمع كافة،والذي وصفه البعض بأنه غير منطقي استنادا إلى عدد السكان وحجم الاقتصاد السعودي ،مشيرين إلى أنه خلال عشر إلى 15 سنة مقبلة يمكن أن تصل المملكة إلى مرحلة أن نستهلك أكثر مما نصدر.
وفي الوقت الذي اتفق فيه خبراء ومختصون في شئون الطاقة على أن هناك توسعا في استهلاك الوقود في السعودية، خاصة فيما يتعلق بوقود السيارات، دار جدلا بشأن الأسعار المخفضة لأسعار الجازولين "البنزين" وزيادتها كعامل مهم لكبح الإقبال المتنامي على استهلاكه.
واختلف الاقتصاديون الذي ترد آراؤهم ضمن الحلقة الثالثة من ملف الشهر لصحيفة "الاقتصادية" في طريقة معالجة هذه الإشكالية ففي حين يؤيد فريق إعادة النظر في سياسة التسعير، يعتقد طرف ثان أن الحل يكمن في إيجاد بدائل ملائمة للنقل العام.
وتكشف البيانات أن استهلاك السعودية من الوقود تجاوز عددا من البلدان الصناعية مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية واليابان، كما تخطى أيضا دولا أعلى سكانيا مثل الهند التي يستهلك مليار نسمة فيها نحو مليوني برميل يوميا، وهو معدل مماثل لاستهلاكنا رغم أن عدد سكاننا في حدود 20 مليون نسمة.
ويرجع بعض المحللين والاقتصاديين السعوديين زيادة استهلاكهم للجازولين إلى أسعار الجازولين المنخفضة في السعودية مقارنة كثير من دول العالم حتى الصناعية منها، فيما يرى آخرون أن غياب البدائل الملائمة على مستوى البنية التحتية للنقل العام، والاستراتيجية السليمة للتوزيع والتسعير بحسب فئات النشاط والأفراد من مقيمين ومواطنين أسهم في تنامي المشكلة.
ووفق تقرير صدر عن " مجلة "بيزنس ويك" الأمريكية في 2008 احتلت السعودية المركز الثالث ضمن قائمة الدول التي تتمتع بأدنى أسعار الوقود في العالم حيث بلغ متوسط سعر جالون الوقود 47 سنتا، بعد فنزويلا متصدرة القائمة بـ 12 سنتا للجالون ثم إيران في المركز الثاني بـ 41 سنتا وتأتي الكويت في المركز الرابع بـ 92 سنتا، ثم مصر في المركز الخامس بـ1.29 دولار للجالون.
ووصف اقتصاديون سعوديون الاستهلاك السعودي للجازولين (بنزين) بالهائل وغير المنطقي، وأعلى من معدل الاستهلاك العالمي بأربعة أضعاف وأكثر من معدل استهلاك الفرد المصري والتركي والصيني بأكثر من 13 مرة، مشيرين إلى أن الوقت حان لمجابهة هذه المشكلة.

نشر ثقافة الوعي بأهمية توفير الوقود ورأى البعض أن مساحة المملكة الشاسعة والتوسع العمراني الكبير في المدن من أسباب هذا الاستهلاك فمثلا المسافة بين شمال الرياض وجنوبها تعد مسافة كبيرة وتحتاج إلى كثير من الوقود، إضافة إلى أن عدم وجود قبول شعبي لوسائل النقل الجماعية لا يساعد على التقليل من استهلاك الجازولين في المملكة، ما يعني أن الوقت حان لإنشاء شبكة قطارات حديثة ذات أنفاق في المدن السعودية الكبيرة لتخفيف الازدحام واستهلاك الوقود.

ووفق الإحصائيات الصادرة عن "أرامكو السعودية" خلال العامين الماضيين ارتفعت كمية وقود السيارات المستهلكة في المملكة خلال العام 2007 إلى 115.6مليون برميل بزيادة قدرها 6.6مليون برميل على عام 2006وبنسبة بلغت 6.1%، حيث كان إجمالي الكميات المستهلكة عام 2006 والبالغة نحو 108.7مليون برميل، ووصلت في عام 2008 إلى نحو مليوني برميل يوميا من الوقود لإنتاج الكهرباء ووقود السيارات.
وفي هذا الصدد نقلت "الاقتصادية" عن اقتصادي سعودي إن استهلاك المملكة من الوقود بلغ اليوم مرحلة حساسة يجب التنبه إليها، وأضاف" يكفينا أن نعلم أن مليار نسمة في الهند يستهلكون مليوني برميل يوميا وهي كمية الاستهلاك السعودي نفسه للوقود"، محذرا من استمرار هذا النمط من الاستهلاك للوقود، مشيرا إلى أنه خلال عشر إلى 15 سنة مقبلة يمكن أن نصل إلى مرحلة أن نستهلك أكثر مما نصدر.
وقال" تنتج المملكة اليوم نحو 8.5 ملايين برميل تستهلك مليوني برميل وتصدر نحو 6.5 ملايين برميل، وعلى صعيد الوقود نجد أن المملكة تستهلك كل الجازولين المنتج في المصافي الوطنية، أي نحو 300 ألف برميل يومياً".
واتفق الدكتور حمد ال الشيخ، أستاذ الاقتصاد في جامعة الملك سعود وعميد معهد الملك عبد الله للبحوث والدراسات، مع الحديث الدائر عن وجود نمو غير منطقي لاستهلاك الوقود في المملكة، ولكنه اعتبر الحديث عن رفع أسعار الوقود لكبح الجماح غير ملائم في المرحلة الراهنة، موضحا أن رفع أسعار الوقود سيرفع من تكلفة المعيشة على المواطن وتكلفة نقل البضائع ما يعني رفع أسعارها على المستهلك النهائي.
احدى محطات الوقودوطرح ال الشيخ عددا من المقترحات التي يمكن أن يستعان بها للتقليل من حجم استهلاك الوقود في المملكة دون التعرض لأسعاره منها رفع رسوم امتلاك السيارات خصوصا للعمالة الأجنبية، ونشر ثقافة الوعي بأهمية توفير الوقود من خلال برامج تحفيز معمول بها عالميا.
وزاد" في أمريكا تنفذ برامج تحفيز للشركات والأفراد الذين يساعدون في توفير الوقود، فمثلا السيارة التي تقل أربعة ركاب خلال فترة التنقل صباحا ومساء للعمل تحصل على إعفاء من رسوم الطريق، أو يسمح لها باستخدام الطريق السريع مجانا، فتجد الزملاء في العمل الواحد يتفقون على التنقل معا".
وعاد عميد معهد الملك عبد الله للبحوث للتأكيد على أن الأخطار والنتائج السلبية لارتفاع حجم استهلاك الوقود على الاقتصاد الوطني متعددة، منها الآثار البيئية، والتي تنتج عن استخدام السيارات الرخيصة من قبل شريحة العمالة الأجنبية، والاقتصادية المتمثلة في تكلفة الازدحام في المدن الرئيسة، أو تهريب الوقود المدعوم للدول المجاورة.
وعلى صعيد الاستهلاك العالمي لمادة الجازولين "البنزين"، تشير التقارير العالمية إلى أن استهلاك العالم عام 2005 بلغ ما مقداره نحو 21 مليون برميل يومياً، وكما هو معلوم أن عدد سكان العالم يقارب 6.4 مليار نسمة، أي أن المعدل العالمي لاستهلاك الجازولين يصل إلى نحو 330 ألف برميل يومياً لكل 100 شخص.
وفي السعودية تشير التقارير العالمية إلى أن معدل الاستهلاك فيها تجاوز دول صناعية مثل اليابان وكوريا وألمانيا وأخيرا الهند.